الرباط- بالتزامن مع قدوم شهر رمضان تتبدّل ملامح المدن المغربية وتكتسي إيقاعا مختلفا، حيث تمتزج الروحانية بالحيوية اليومية في مشهد سنوي يتكرر ببهجة وانتظار. ففي العاصمة الرباط شهدت الأسواق، الخميس، حركة متواصلة في البيع والشراء، مع توافد المواطنين بأعداد كبيرة للتسوق في أول أيام الصيام. وبدت منطقة “السويقة” في المدينة العتيقة كأنها قلب نابض بالحياة؛ أزقتها تضج بالمتبضعين، ومحلاتها تعرض مختلف السلع، خاصة المواد الغذائية التي تشكل عماد المائدة الرمضانية.
هذا المشهد لا يقتصر على الرباط وحدها، بل يتكرر في مدن عدة مثل الدار البيضاء وفاس ومراكش، حيث تتحول الأسواق الشعبية والمراكز التجارية إلى فضاءات مكتظة تعكس استعداد المغاربة لاستقبال الشهر الفضيل بما يليق بمكانته الروحية والاجتماعية.
وتتصدر الحلويات التقليدية واجهة المشهد الرمضاني في المغرب، إذ يحرص المغاربة على تزيين موائد الإفطار بأصناف متوارثة جيلاً بعد جيل. تتراص صواني “الشباكية” و”الغريوش” المعسلة في واجهات المحلات، فيما يُحضّر “سلو” -أو ما يعرف في بعض المناطق بـ”السفوف”- بمزيج اللوز المحمص والسمسم والدقيق والعسل، في طقس سنوي يعكس عمق الارتباط بالموروث الشعبي.
من “السويقة” قال المواطن مصطفى السعداني “إن الأسواق تشهد نشاطًا تجاريًا مكثفًا تزامنًا مع قدوم رمضان”، مشيرًا إلى أن تزايد الطلب على مستلزمات المائدة أدى إلى قفزة في الأسعار. وأضاف في حديثه أن الأسر المغربية تميل إلى توفير مختلف المواد الغذائية التقليدية، تجسيدًا للمثل الشعبي “العين تأكل قبل الفم”، في إشارة إلى الحرص على أن تبدو المائدة عامرة ومتنوعة حتى قبل تذوق الطعام.
ويؤكد عبدالإله، وهو تاجر حلويات تقليدية في الرباط، أن التحضيرات تبدأ قبل أسابيع من الشهر الكريم. يقول “نضاعف الإنتاج، ونستعد لتلبية طلبات الزبائن الذين يشترون بكميات كبيرة، خصوصًا الشباكية وسلو. رمضان هو الموسم الأهم لنا خلال السنة”.
ولا تقتصر الاستعدادات على الأسواق، بل تبدأ داخل البيوت قبل حلول رمضان بأيام. فاطمة الزهراء، وهي ربة بيت في حي يعقوب المنصور، تحكي أن التحضير للشهر الفضيل يشبه “العرس الصغير”. تقول “نبدأ بتنظيف البيت وترتيبه، ثم نخصص أيامًا لإعداد الشباكية وسلو في البيت. تجتمع الأخوات والجارات للمساعدة، وتتحول العملية إلى لحظة تضامن وفرح”.
وتضيف أن إعداد بعض المكونات منزليًا يمنح الأسرة شعورًا خاصًا بقيمة الشهر، رغم أن كثيرين باتوا يفضلون شراء الحلويات جاهزة بسبب ضيق الوقت. ومع ذلك، تظل فكرة “التحضير الجماعي” حاضرة في الذاكرة الشعبية، خاصة في الأحياء التقليدية.
رمضان في المغرب ليس فقط شهر المائدة، بل هو قبل كل شيء شهر روحاني بامتياز. فمع أذان المغرب تخلو الشوارع تقريبًا في دقائق معدودة، ليلتئم أفراد الأسرة حول مائدة الإفطار. وبعد صلاة التراويح، تعود الحياة إلى الشوارع، وتمتلئ المقاهي والساحات بالناس الذين يتبادلون الزيارات والسهرات العائلية.
في الرباط، كما في مدن أخرى، تتحول بعض الساحات العامة إلى فضاءات للتلاقي بعد التراويح، حيث يتجول الأطفال بملابس تقليدية أحيانًا، فيما يتبادل الكبار أطراف الحديث. ويؤكد يوسف، وهو موظف شاب، أن رمضان “يعيد ترتيب الأولويات”، ويقول “نحاول التقليل من الانشغال بالهاتف والعمل، ونخصص وقتًا أكبر للأسرة وصلة الرحم”.
من أبرز مظاهر رمضان في المغرب أيضًا تكثيف المبادرات التضامنية. إذ تنشط جمعيات المجتمع المدني في توزيع قفف غذائية على الأسر المعوزة، فيما يحرص بعض المواطنين على إخراج الصدقات والزكاة في هذا الشهر. وتنتشر موائد الإفطار الجماعي في بعض الأحياء، خاصة لفائدة عابري السبيل والطلبة.
الحكومة المغربية أعلنت، قبل حلول الشهر، اتخاذ “تدابير استباقية” لضمان توفير المواد الغذائية بكميات كافية وأسعار “في المتناول”. ورغم شكاوى بعض المواطنين من ارتفاع الأسعار، فإن الإقبال على الشراء ظل قويًا، ما يعكس تمسك المغاربة بعاداتهم الغذائية خلال رمضان مهما كانت الظروف.
وتختلف بعض التفاصيل من مدينة إلى أخرى، لكن الجوهر يظل واحدًا. ففي فاس تشتهر موائد رمضان بأطباق تقليدية خاصة، بينما في مراكش تحظى بعض الوصفات المحلية بمكانة مميزة. أما في الدار البيضاء فتختلط العادات التقليدية بإيقاع المدينة السريع، غير أن لحظة الإفطار تبقى لحظة جامعة لا يعلو فيها صوت على صوت الأذان.
تقول سميرة، وهي أستاذة من فاس، “قد تختلف الأطباق بين مدينة وأخرى، لكننا جميعًا نشترك في الشعور نفسه: انتظار الأذان، الدعاء قبل الإفطار، ولمّة العائلة”. وتضيف أن رمضان بالنسبة إليها “فرصة لمراجعة النفس، وليس فقط مناسبة للأكل”.
بعد الإفطار وصلاة التراويح تنبعث في المدن المغربية حياة ليلية خاصة بالشهر الفضيل. وتمتد ساعات التسوق إلى ما بعد منتصف الليل، وتبقى بعض المحلات مفتوحة لاستقبال الزبائن. كما تشهد بعض الأحياء عروضًا فنية وثقافية مرتبطة بالأجواء الرمضانية.
ويشير أحمد، وهو طالب جامعي، إلى أن “الليل في رمضان له طعم مختلف”، موضحًا أن الخروج بعد التراويح أصبح تقليدًا سنويًا بالنسبة إليه وأصدقائه، سواء للتنزه أو لاحتساء الشاي وتبادل الأحاديث.
ويحرص المغاربة على الحفاظ على طقوسهم الرمضانية. قد تتغير الكميات أو تتبدل بعض التفاصيل، لكن روح الشهر تبقى ثابتة. فالمائدة، مهما كانت بسيطة، يجب أن تجمع أفراد الأسرة، والبيوت، مهما كانت صغيرة، تتسع لفرح اللقاء اليومي عند الإفطار.
رمضان في المغرب إذن ليس مجرد شهر للصيام، بل تجربة جماعية تتقاطع فيها الروحانية بالعادات الاجتماعية، ويختلط فيها صوت الباعة في “السويقة” بدعاء الأمهات قبل الأذان. وبين ازدحام الأسواق وهدوء لحظة الإفطار، تتجسد صورة مجتمع يتمسك بتقاليده، ويجد في الشهر الفضيل فرصة متجددة لإحياء قيم التضامن والتراحم وصلة الرحم.
إنه شهر يعيد رسم الإيقاع اليومي للحياة المغربية، ويؤكد أن العادات، مهما تغير الزمن، تظل قادرة على جمع الناس حول معنى واحد: الصوم ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل احتفاء بالروح، وبالأسرة، وبذاكرة جماعية تتجدد كل عام.

