
رام الله: عندما تحدث الشيخ محمد سليم علي من منبر المسجد الأقصى في الجمعة الأولى من رمضان، أطلق دعوة غير تقليدية عندما خاطب الصائمين قائلا: «أيها الصائمون، وإذا كان وقت وجوب صدقة الفطر، يكون عند غروب شمس آخر يوم من شهر رمضان، فإنه يجوز أن يعجلها المسلم من أول شهر رمضان، وكذلك الزكاة، فإنه يجوز للواجب عليه، أن يعجلها قبل الحول».
يعكس الطلب موقفا دينيا مختلفا عن السائد من القائمين على الخطاب الديني، وهو ما يدلل على عمق الحالة التي يمر بها الشعب الفلسطيني وتحديدا من ناحية الواقع الاقتصادي المتراجع ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وليس ببعيد عن المسجد الأقصى وتحديدا في بلدة الرام التي يفصلها جدار الفصل العنصري عن مدينة القدس يكتمل المشهد الذي يظهر دمويا تماما، حيث يمكن رصد عشرات الشبان (العمال) يخاطرون يوميا بحياتهم للدخول إلى القدس المحتلة ومنها إلى الداخل الفلسطيني المحتل في سبيل لقمة العيش.
وتبدو الأحوال الاقتصادية الصعبة وغياب فرص العمل وتنامي نسب البطالة الدافع الأكبر لهؤلاء في رحلة تحمل بين طياتها إمكانيات ثلاث: الإصابة أو الموت أو الاعتقال، ومن نجا من الخيارات الثلاثة فإنه ينال فرصة الدخول للعمل في ظروف هي غاية في الصعوبة أيضا.
فمساء الخميس الماضي، أصيب شابان برصاص حي في القدمين، حيث نقلتهما سيارات الهلال الأحمر الفلسطيني إلى المستشفى الحكومي في مدينة رام الله بعد أن قنصهم جنود الاحتلال في الجانب الثاني من الجدار.
ووثق مواطنون قيام جنود جيش الاحتلال بنصب كمائن للعمال الذين يتسلقون الجدار عبر سلالم بدائية وبمجرد أن يصل الشاب إلى جانب الجدار الثاني ينهال عليه الرصاص.
عقّب أحد المواطنين في مدينة الرام لـ «القدس العربي» على الأمر إن الجنود يتقصدون إيذاء العمال عبر السماح لهم بتسلق جانب من الجدار ومن ثم في الجانب الآخر يكونون لهم بالمرصاد. وتابع: «يمكن للجيش أن يتواجد في بلدة الرام المقدسية وتحديدا من جانب الجدار الذي يتسلق منه العمال، لكنهم لا يفعلون ذلك إلا نادرا، أما على الجانب الثاني فإنهم يكمنون عبر دوريات راجلة فيما تقوم كاميرات المراقبة والطائرات المسيرة برصد حركة العمال على طول الجدار، وهم يتقصدون إصابتهم في مناطق مثل أرجلهم».
وهو ما يفسر عدد الإصابات الذي يتزايد يوميا منذ دخول شهر رمضان، حيث تتزايد محاولات الشبان الباحث عن العمل اجتياز الجدار للعمل في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948. وفي وقت سابق قام شبان من بلدة الرام بتحرك جماعي لوقف محاولات تهريب العمال إلى مدينة القدس، وهو الأمر الذي انقسم المواطنون في تقييمه. حيث أيد السلوك جانب من الفلسطينيين حيث اعتبروه يعكس حالة من الخوف على حياة العمال الذين يتعرضون للإصابة بالرصاص أو الاعتقال، فيما كان هناك جانب اعتبر أن العمال «يرمون أنفسهم على المر» في ظل الواقع الاقتصادي الصعب وسط العمال، حيث تغيب إي إجراءات رسمية للتعامل مع توقفهم عن العمل طوال عامين ونصف العام، وهو ما دفع بمزيد من العمال للمخاطرة بحياتهم أملا بالعمل وتوفير نفقات شهر رمضان وعيد الفطر من بعده.
عمال يخاطرون بحياتهم لكسب لقمة العيش… ودعوات دينية لإخراج زكاة الفطر مبكرا
أمين عام اتحاد نقابات العمال الفلسطينيين شاهر سعد، قدّر حجم الخسائر التي تكبّدها العمال الفلسطينيون جراء انقطاعهم عن العمل داخل الأراضي المحتلة منذ اندلاع الحرب على غزة بنحو 9 مليارات دولار، مؤكدًا أن هذه الخسائر تقتصر على الأجور المفقودة فقط، ولا تشمل الآثار الاجتماعية والإنسانية الأوسع.
وقال سعد في حديث صحافي إن العمال استنزفوا كامل مدخراتهم في ظل غياب قانون للضمان الاجتماعي أو أي منظومة حماية تعوّضهم عن هذا الانقطاع القسري.
وشدد على أن تداعيات الانقطاع عن العمل رفعت معدلات الفقر بين العمال إلى مستويات غير مسبوقة، مبينًا أن نسبة الفقر في فلسطين تجاوزت 46 في المئة، وأن البطالة بين صفوف العمال وصلت إلى 38 في المئة، في ظل وجود نحو 550 ألف عاطل عن العمل، منهم ما يقارب 300 ألف في الضفة الغربية وحدها.
وتابع: «نحن أمام جيش من العاطلين بلا أي مصدر دخل منذ 28 شهرًا،
ووصف ما يجري بحق العمال إنها «أكبر جريمة تُرتكب بحق العامل الفلسطيني على مستوى العالم».
وتشير الأرقام الإسرائيلية إلى أن أكثر من 32 ألف عامل تعرّضوا للاعتقال من قبل الشرطة، فيما استُشهد 48 عاملًا نتيجة إطلاق النار أو الاعتداء أو السقوط عن جدار الفصل، إضافة إلى مئات الإصابات.
رغد عزام، الباحثة في الحقل الاقتصادي في مركز رؤية للتنمية السياسية (إسطنبول)، تقول إن الشعب الفلسطيني دخل في شهر رمضان في ظل حالة من تراجع الدخل العام وارتفاع الالتزامات والأعباء المالية، «كما هو معروف في مجتمعنا، لا يمكن الاستغناء عن «العزايم» واللمات الأسرية وهو أمر مكلف بطبيعة الحال، وهو ما يزيد من الضغط الاجتماعي كون كثير من الأسر الفلسطينية تعتمد على الدين والشراء بالأجل والشيكات لتيسير أمورها».
وتتابع الباحثة عزام في حديث لـ»القدس العربي»: «يتضح ذلك من ارتفاع نسبة الشيكات الراجعة إلى نحو 8 في المئة خلال عام 2024، ما يعكس أزمة سيولة حقيقية وعجز عن الإيفاء بالالتزامات، فالناس فعليا لا تستدين لتحسين مستوى حياتها، بل لتغطية الأساسيات».
في الخلفية من هذا الواقع، والحديث للباحثة، سعى الاحتلال طويلا، لتكريس بنية اقتصادية قائمة على تيسير بنكي مبالغ فيه وتوسيع الائتمان، وهو مسار جرى تعزيزه لخلق انماط اقتصادية جديدة تقوم على الاستهلاك وضبط المجتمع من خلال القروض والالتزامات المالية، بحيث يصبح الافراد أكثر ارتباطا بالسوق والديون واقل قدرة على الفكاك من هذا النمط الاقتصادي، وهو ما يعمق واقع المواطنين في الضفة الغربية.
وتعقب على دعوات إخراج الزكاة مطلع الشهر الفضيل بإنها تأتي أمام تردي الأوضاع الاجتماعية، فـ»تعزيز الصدقات وإنفاق الخير يأتي كجزء من تفعيل شبكات التضامن الاجتماعي داخل المجتمع نفسه.
ورأت أن هناك أمرا ثانيا يعزز صمود الفلسطينيين وهو ما يرتبط بالتحويلات المالية، «فهي بالأصل ركيزة أساسية للاقتصاد الفلسطيني، حتى قبل حرب الإبادة، حيث تقارب قيمتها 5 مليار دولار سنويا، وهذا يعني حوالي 30 في المئة من الناتج المحلي الفلسطيني، علما أنها تشمل أجور العمال في الداخل المحتل إلى جانب تحويلات الشتات المغتربين».
وتربط الباحثة عزام شلل الاقتصاد الفلسطيني في الضفة على سبيل المثال مع حالة منع العمال الفلسطينيين من التوجه لمواقع عملهم في الداخل المحتل عام 1948، وهو ما يعزز الوضع العام في رمضان الذي جاء بعد عامين من ذات السياسات.
وفي ملف التحويلات من المغتربين تؤكد عزام أنه مع اندلاع الحرب على الفلسطينيين فرضت قيود وتشديدات مالية ورقابية أضعفت تدفق الحوالات من الخارج، «لقد أصبحت مساءلة أكثر تعقيدا وتحديدا على المبالغ القادمة من الخارج، هذا بالنسبة للضفة، لكن غزة للأسف أصبح الوضع فيها كارثي، فقد تعطل القطاع المصرفي هناك، واشتغل «سماسرة الحرب» بعملية كبيرة من استغلال عوز الأسر، وحولوا المبالغ القادمة من الخارج بتكلفة تصل لـ 50 في المئة أو 30 في المئة من المبلغ المحول!».
وفي دراسة للباحثة عزام أنجزتها لصالح مركز رؤية للتنمية السياسية في محاولة لفهم طرق تكيف الفلسطينيين مع حرب الإبادة اقتصاديا رأت أنّ الأسر الفلسطينية تعاملت مع صدمة الحرب بوصفها «حالة عدم يقين ممتدة، أعادت على أساسها تنظيم سلوكهم الاقتصادي وسبل عيشهم وهو ما حدث ويحدث في الضفة الغربية على سبيل المثال».
وتابعت قائلة في دراستها: «هناك نوعان رئيسيان من الاستجابات: استراتيجيات إدارة المخاطر واستراتيجيات التكيف مع آثارها. ففي البيئات عالية المخاطر، تسعى الأسر أوّلًا إلى تقليل تعرّضها للصدمات مسبقًا عبر تنويع مصادر الدخل أو التحوّل إلى أنشطة أقل خطورة، حتّى وإن كان ذلك على حساب انخفاض العوائد، وهو ما يعرف بتسوية الدخل. وثانيا: استراتيجيات التكيف مع المخاطر التي تركز على التعامل مع آثار تراجع الدخل، لا على منع حدوثه. وتشمل هذه الاستراتيجيات ما يعرف بـتسوية الاستهلاك، من خلال استهلاك الادخار الاحترازي، واستنزاف الأصول، والاقتراض، أو الاعتماد على شبكات التضامن غير الرسمية داخل الأسرة الممتدة أو المجتمع المحلي.
وحسب دراسة الباحثة فإن أشكال جديدة من الصمود الاقتصادي اعتمدت عليها الأسر الفلسطينية للتكيّف مع الوضع الراهن، شملت التوسع في الأعمال العائلية، والمهن الصغيرة، إلى جانب مبادرات تعاونية محدودة، وبدائل معيشية خارج القنوات الاقتصادية التقليدية.
ورأت أن كل هذه المظاهر هي استجابة اقتصادية آنية، وليست خيارا تنمويا مخططا له، «إنها رد فعل مباشر على انسداد المسارات التقليدية لكسب الرزق. ومن هنا، يمكن فهم صعود التعاونيات والمشاريع الفردية بعد الحرب باعتباره تعبيرًا عن محاولة المجتمع إعادة تنظيم أدوات بقائه الاقتصادي داخل هوامش ضيقة».


