في العام 1924 في قرية فلسطينية نائية، افتتحت السيدة نبيهة ناصر غرفة واحدة لتعليم البنات، كانت تلك الغرفة هي نواة لمدرسة للبنات، ثم لكلية عام 1944، ثم في العام 1975 أعلن مجلس الأمناء والإدارة الأكاديمية مدعومة من الهيئة التدريسية هذا الصرح التعليمي «نحن جامعة بير زيت». ومع نمو وتطور الجامعة انتقل الحرم الجامعي إلى بناء جديد على هضبة في أواخر السّبعينيات، وبقي المكان الأول كأثر تاريخي داخل البلدة القديمة.
يوم الثلاثاء، الأول من أمس، استعرض الاحتلال الفاشي جبروته وبطشه في حرم الجامعة، فقد اقتحم عشرات الجنود راجلين ومحمولين حرم الجامعة بعد اقتحام البوابة الرئيسية، وأطلقوا الرصاص المطاطي والحي على الطلاب الذين كانوا يقيمون نشاطاً تضامنياً مع الأسرى. سالت دماء طاهرة، ذنبها أنها هبت للتضامن مع أولئك الذين سرق الاحتلال أعمارهم وأهدرها في سجونه ومعتقلاته الفاشية، كذلك اعتقل محاضراً تم الإفراج عنه لاحقاً.
اجتماع سلمي، هو عبارة عن كلمات حماسية لا تعرّض أحداً لخطر في داخل الحرم الجامعي في بلدة نائية بعيداً عن الشّوارع الرئيسة التي تصل بين المدن، رغم ذلك فقد دخل الاحتلال لقمعها بحجة أنه نشاط داعم للإرهاب، في خرق لا لبس فيه للقانون الدولي الإنساني. وهذا ليس حدثاً استثنائياً في تاريخ علاقة هذا الصرح التعليمي الوطني بالاحتلال، بل هو واحدة من سلسلة هجمات واعتقالات وإغلاقات للجامعة منذ عقود. وهذا ينسحب على أخوات بير زيت، مثل جامعة النجاح في نابلس، وجامعة الخليل ومؤسسات تعليمية أخرى، حتى تدميرها أو تدمير أجزاء منها في قطاع غزة، وليس فقط في الحرب الأخيرة، بل وقبل هذا بسنين.
لا يترك الاحتلال مناسبة إلا ويسعى فيها إلى كسر روح المقاومة والإرادة مهما كانت سلمية؛ ليحقّق أهدافاً عجز عن تحقيقها في الماضي، ولن يحققها في المستقبل.
تقع بلدة بير زيت على مسافة سبعة كيلومترات على تلة شمال رام الله. عندما تسمع عن جمال الرّيف الفلسطيني، فإن بيرزيت مثال وبامتياز لهذا الجمال؛ فهي تجمع بين القديم العريق المتجذر منذ الكنعانيين الأوائل، وبين الحداثة التي تصقل طاقات بشرية متميزة إلى العالم. تبدو البلدة كأن بيوتها غُرست بين كروم الزيتون والكرمة والتين واللوزيات والأشجار الحرجية، بيوتها ومبانيها من حجارة الأرض والهضاب التي تحتضنها، وكلها ذات صبغة معمارية تراثية أصيلة، بما في ذلك ميادينها الصغيرة ومقاهيها ومطاعمها. فيها سَكنٌ متواصل تقريباً من غير انقطاع منذ العهد الكنعاني الذي يبدأ بـ 3000 حتى 1200 قبل الميلاد.
اسمها واضح، فهي بير زيت، العنصر الذي لا تقوم حياة الفلاح الفلسطيني من دونه، ولا تكتمل هوية المكان إلا به. بئر زيت كأنك تقول «مناجم الذّهب» أو آبار النفط.
اتسعت الجامعة، وكبر معها دورها، فصار اسمها مرتبطاً بالمناسبات والرّموز والنشاطات الوطنية.
لم تعد مكاناً للتدريس فقط، بل هي فضاء عامّ للأفكار، ومختبر للسياسة والثقافة والحوار؛ في قاعاتها تبلورت الحركة الطلابية، وفي ساحاتها تشكّلت النقاشات الكبرى حول الحرية والهوية والعدالة ومعنى الحياة والطموح، إلى التحرر من الاحتلال سواء كان العسكري الفظ المباشر أم الفكري الناعم.
وحين تتحول الجامعة إلى مساحة تفكير حرّ في ظل احتلال، تصبح هدفاً وتوضع على طاولة التشريح بمشارط أجهزة الأمن وكيفية التعامل معها لإحباطها وتجفيف خصوبتها.
عندما اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987، كانت الجامعة في قلب الحدث، بوصفها عقل الانتفاضة المدني؛ من ساحاتها خرجت البيانات، وفي قاعاتها نوقشت أشكال العصيان الشعبي، ومن مجالس طلبتها تبلورت شبكات تنظيمية ربطت بين العمل الطلابي والحراك المجتمعي الأوسع.
فكانت جامعة بيرزيت من أكثر الجامعات استهدافاً بالإغلاق خلال سنوات الاحتلال، ففي العام 1981 -1982 أغلقت لمدة سبعة أشهر لرفضها التعامل مع الإدارة المدنية التابعة للاحتلال.
طرد الاحتلال أكاديميين منها لرفضهم التوقيع على بيان يدين منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي العام 1984 أغلقت لمدة شهر بعد استشهاد الطالب (شرف الطيبي) وهو من قطاع غزة أثناء دراسته في بيرزيت.
كانت تغلق لأيام وأسابيع وأشهر امتدت حتى إلى سنوات، إذ أغلقت لأكثر من أربع سنوات بين 1988 و1992. هذا الإغلاق الطويل لم يُنهِ التعليم، بل حوّل التعليم إلى جزء من العصيان المدني، وفرضت الجامعة وجودها، حتى حين أُغلقت أبوابها، فقد واصل الطلاب والمعلمون طلب العلم في مواقع مختلفة، منها «قصر الحمراء» في رام الله، الذي اقتحمته قوات الاحتلال في حينه واعتقلت طلاباً وصادرت هوياتهم، وفصل الاحتلال طلاب الضفة الغربية عن طلاب قطاع غزة. الاحتلال مولع بالتقسيم والتفتيت كجزء من سياسته الأمنية.
بيرزيت ليست الصرح التعليمي الوحيد الذي يتعرض وتعرّض للعدوان والانتهاك، فكل جامعات وكليات ومعاهد الضفة الغربية وقطاع غزة تعرّضت لقذارة الاحتلال وهمجيّته وجرائمه.
الروتين الأكاديمي نفسه تحوّل إلى موقف: محاضرة تبدأ بعد اقتحام، وامتحان يُعقد بعد ليلة مشحونة، وكأن الاستمرار بحد ذاته فعل تحدٍّ هادئ.
أذكر أنني رافقت الشّاعر الكبير سميح القاسم إلى جامعة بيرزيت في أمسية ثقافية أقيمت تكريمياً له، لا أذكر السّنة بالضبط، وفوجئت من مدى الحماسة وأعداد الطلبة الذين استقبلوا الشاعر وقاعة الاحتفالات التي امتلأت عن آخرها، وجلس الطلاب بين الممرات على الأرض لسماع الشاعر ثم تقديم الأسئلة الأدبية والسياسية له.
بعدها سهرنا سهرة ممتعة في ضيافة أستاذ اللغة والأدب العربي في بيرزيت الدكتور محمود العطشان، وهو ضرير منذ الولادة وصاحب نكتة.
لم تكن جامعة بيرزيت مجرّد مؤسسة تعليمية تمنح الشهادات، بل فضاء صاغ أجيالًا من الفلسطينيين الذين انتقلوا من القاعة إلى الحيّز العام وهم يحملون المعرفة بوصفها مسؤولية. من بين خريجيها برزت أسماء تركت أثراً مهمّاً في السياسة والثقافة والفكر، مثل مروان البرغوثي الذي أصبح رمزاً سياسياً وأحد أبرز القادة الأسرى، ومحمد اشتية الأكاديمي والاقتصادي ورئيس الوزراء الفلسطيني السابق، ومصطفى البرغوثي الطبيب والناشط السياسي المعروف بدوره في العمل الأهلي والحقوقي. كما تخرّج منها مفكرون ومثقفون تركوا بصمتهم في المشهد الثقافي، مثل الراحل حسين البرغوثي الذي مزج الفلسفة بالأدب، ودبلوماسيون خاطبوا العالم بلغة الحقوق والقانون، مثل حسام زملط الذي شغل منصب رئيس البعثة الفلسطينية في الولايات المتحدة حتى عام 2018 حيث أغلق المكتب بقرار أمريكي، ثم انتقل إلى مواصلة العمل الدبلوماسي في لندن رئيساً للبعثة الفلسطينية في بريطانيا، وهو من أبرز الأصوات التي تخاطب الرأي العام البريطاني والدولي بلغة القانون. وعشرات آلاف الكوادر الفلسطينية المؤهلة في مختلف المجالات.
استهداف الجامعات الفلسطينية في بيرزيت والنجاح والخليل، وفي قطاع غزّة حيث القصف والتدمير هو ضمن سياسة واحدة ترى في التعليم خطراً على الاحتلال يجب تحييده.
حين يُقتحم الحرم الجامعي ويتعرض الطلاب والأساتذة فيه للضرب والعدوان يُستهدف من خلالهم حقّ المجتمع في التفكير والتنظيم وبناء المستقبل.
رغم ذلك، ظلّت الجامعات الفلسطينية قائمة بمعناها الأعمق: قاعات تُفتح ولو أُغلقت أبوابها، ومحاضرات تُعقد ولو تحت القصف، وطلبة يحملون المعرفة كما يحملون ذاكرتهم. هكذا يتحوّل التعليم، في سياق الاحتلال، من حقٍّ مُسلَّم به إلى فعل صمود يومي، ومن مؤسسة أكاديمية إلى شاهدٍ حيّ على أنّ ما يُراد له أن يُمحى هو بالضبط ما سيبقى.

