**فلسطين كل لا تجزأ
*القدس، بما تختزنه من هوية عربية أصيلة، تواجه سعي الاحتلال الإسرائيلي لطمس ثقافتها عبر إغلاق المؤسسات وتدمير المعالم. ورغم القوانين العنصرية والعدوان، تبقى الثقافة الفلسطينية سلاحًا للمقاومة، من الفن إلى التاريخ، والمطرزات والأسواق والمطبخ المقدسي، كلها شواهد حية تتحدى الزيف الصهيوني، لتؤكد أن القدس قلب الصراع ورمز الصمود والذاكرة التي لا تُمحى.
بين أزقتها القديمة، وحجارتها الصامدة، ومطرزاتها التي تحمل ذاكرة الأجيال، وموروثها الثقافي الممتد عبر الزمن، تظل فلسطين المحتلة، وفي قلبها القدس، عصيّة على الاحتلال الإسرائيلي وسرديته المتهاوية، فالمكانة التاريخية والهوية العربية الأصيلة لهذه المدينة المقدسة تقفان شامختين في مواجهة محاولات الطمس والإلغاء، فيما تكشف جرائم الاحتلال المستمرة عن عجزه في إثبات ادعاءاته، فلا يلجأ إلا إلى الإبادة والتدمير في الأرض التي باركها الله.وجاءت التحولات العميقة في الوعي العالمي، خصوصًا في الغرب، على وقع مشاهد القهر والعدوان الإسرائيلي، لتفتح ثغرة في جدار الزيف الصهيوني الذي صادر الحقيقة منذ عقود النكبة.ومع اتساع هذه الثغرة يومًا بعد يوم، يتزايد الانحياز العالمي للحق الفلسطيني، في مواجهة محاولات اقتلاع الهوية وطمس فلسطينيتها.ووفق ما نقلته وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، يؤكد متحدثون أن من الضروري “نزع الهالة التي رسمها التضليل الإسرائيلي في المخيال الشعبي الغربي”، خاصة بعد أن بدأ هذا الأخير يعي حجم الجريمة المتواصلة منذ زرع إسرائيل في الأرض العربية. فقد نجح التضليل الإسرائيلي لعقود في اقتحام الموسيقى والسينما العالمية، وصياغة صورة منحازة لكيان غريب عن محيطه العربي، لكن قوة الحق الفلسطيني قلبت المعادلة وأعادت العقل العالمي إلى جادة الصواب.الأسواق المقدسية والأمثال الشعبية والأغاني التراثية تشكّل أرشيفًا حيّا يواجه سعي الاحتلال لمحو الذاكرة الفلسطينية عبر الأجيال وشدد أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس، عبدالله كنعان، على أن الثقافة الفلسطينية، وخاصة المقدسية، قوية بما يكفي للدفاع عن الهوية العربية في مواجهة محاولات الطمس والإلغاء.وأشار إلى أن الاحتلال أغلق أكثر من 100 مؤسسة ثقافية في القدس، ويمنع إقامة أي نشاط فني أو مسرحي أو مهرجان. كما لفت إلى القوانين العنصرية، مثل قانون الكنيست عام 2018 الذي حظر دعم الأعمال الثقافية والفنية، وإلى تصاعد الحرب على الثقافة الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر 2023، حيث فقدت الساحة الثقافية شعراء وكتّابًا وفنانين ومؤرخين ارتقوا شهداء، إضافة إلى تدمير المباني التاريخية والمساجد والكنائس والمتاحف والمكتبات والجامعات.ورغم ذلك، تبقى الثقافة الفلسطينية قادرة على النضال وترسيخ الهوية، إذ ابتكر المثقف الفلسطيني وسائل تجاوزت الأسر والتضييق، وأسهمت في تشكيل رأي عام عالمي مناصر للقضية، انعكس في مواقف سياسية وثقافية تدين الاحتلال وعدوانه المخالف للشرعية الدولية.وأشار كنعان إلى نجاح الأردن، بوصايته على المقدسات، في تسجيل القدس القديمة وأسوارها ضمن قائمة التراث العالمي عام 1981، ثم إدراجها ضمن التراث المهدد بالخطر عام 1982، إضافة إلى دعم فلسطين في إدراج مواقع أخرى بعد قبول عضويتها الكاملة في اليونسكو عام 2011.ويرى الفنان المقدسي شهاب قواسمي أن الصراع الثقافي هو الأخطر، لأنه سلاح الصمود في مواجهة التزييف. ويقول “لا أرسم القدس لمجرد التغني بجمالها، بل لأستنفر الذاكرة والوعي ضد السرقة والتدمير، ولأبقيها إرثًا للأجيال”. ويستذكر قواسمي كيف كانت إسرائيل في السبعينات تصادر اللوحات وتعتقل الفنانين، معتبرة الريشة في يد الفنان بندقية مقاومة.
وعلى جبهة أخرى يبرز المؤرخ محمد هاشم غوشة، الذي أنجز “الموسوعة الفلسطينية” بالإنجليزية، أكبر عمل توثيقي أكاديمي عن القدس وفلسطين، في 24 مجلدًا تضم 7000 صفحة من الوثائق والمصادر العثمانية، بعد 12 عامًا من البحث. غوشة، الذي ألّف نحو 100 كتاب ونشر أكثر من 150 دراسة، وثّق قبة الصخرة والمسجد الأقصى بدقة علمية، وأعاد النقوش التاريخية إلى الواجهة الأكاديمية، كما وثّق 50 ألف نقش عربي في فلسطين، لتبقى الذاكرة المادية شاهدة على التاريخ.وتؤكد مصممة الأزياء التراثية امتياز أبوعواد أن حبكات التطريز المقدسي تنقض الوهم الصهيوني، إذ تحمل كل غرزة قصة وكل لون دلالة مرتبطة بالمكان.وتعتبر أن التراث هوية حيّة تنبض في تفاصيل الحياة اليومية، من الأسواق الشعبية إلى المطبخ المقدسي الذي يجسد طقوسًا اجتماعية متوارثة.
أسواق القدس، مثل سوق القطانين والعطارين واللحامين، ليست مجرد فضاءات تجارية، بل فضاءات اجتماعية تنطق بلهجة المدينة وتفوح بروائحها وتشدو بأغانيها الشعبية، وتروي حكايات أهلها عبر القرون وتشير أبوعواد إلى أن المسجد الأقصى وكنيسة القيامة شكّلا معًا منظومة حضارية قائمة على التعدد والاحتضان، لا على الإقصاء كما يفعل الاحتلال. وتتساءل بحرقة: كيف لغازٍ غريب أن يدرك معنى ثوب العروس المقدسي المطرز، أو ثوب الأغباني المستورد من حمص وحلب، أو ثوب القدس الأساوري الأرستقراطي؟ تلك الرموز الثقافية لا يمكن أن يفهمها إلا أبناء الأرض الذين صاغوا تاريخها.أسواق القدس، مثل سوق القطانين والعطارين واللحامين، ليست مجرد فضاءات تجارية، بل فضاءات اجتماعية تنطق بلهجة المدينة وتفوح بروائحها وتشدو بأغانيها الشعبية، وتروي حكايات أهلها عبر القرون.
أما المطبخ المقدسي فهو أحد أعمدة التراث الثقافي، حيث تتوارث العائلات وصفاته جيلًا بعد جيل. فالمفتول والمقلوبة والكعك المقدسي ليست مجرد أطعمة، بل طقوس اجتماعية مرتبطة بالمواسم والمناسبات. وكذلك الأمثال الشعبية والأغاني والميجانا التي تتردد فوق سفوح الجبال وبين حقول الزيتون، تشكل أرشيفًا ثقافيًا حيًا يرتسم في وجدان الفلسطيني عامة وأبناء القدس خاصة، في مواجهة سعي الاحتلال لمحو الذاكرة.
ويوضح الباحث في الشأن المقدسي عزيز محمود العصا أن المجتمع المدني المقدسي يضم 507 منظمات، تتوزع في مجالات التعليم والرياضة والثقافة والفنون والصحة، ومؤسسات العمل الخيري ولجان الزكاة والشباب والمؤسسات الدينية وسواها.وأكد أن الاحتلال يقرّ بعدم قدرته على الهيمنة على المجتمع المدني المقدسي، ويعترف بقدرة هذا المجتمع التطوعي المتفاني في خدمة مدينته المقدسة على المحافظة على عروبة المدينة، وإعاقة أفعال الاحتلال الهادفة إلى تهويد المدينة ومحو هويتها العربية.ولفت إلى أن الوصاية الهاشمية تولي اهتمامًا كبيرًا بأوقاف القدس والأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية، التي تحفظ للمدينة عروبتها، وقدرة المجتمع المقدسي على التأثير في إعادة صياغة الهوية العربية للمدينة، دون الخشية مما يمتلكه الاحتلال من القوة المفرطة والأموال التي يضخها بأرقام فلكية لتهويد القدس.وأشار إلى أن هناك أياما للثقافة الوطنية الفلسطينية والتراث والتطريز الفلسطيني، تقام خلالها فعاليات للحفاظ على الموروث الثقافي وصونه وحمايته، بوصفه مرتكزا للهوية الفلسطينية.

