مرّ عامٌ على سقوط نظام الأسد أو هروبه، لكن الزمن لم يمرّ بالخِفّة والاختزال اللذَين توحي بهما الكلمة. عامٌ كامل، ومع ذلك لا يبدو أنه اكتمل، ولا صار ماضياً يمكن الإشارة إليه بثقة، كأنّ السوريين علقوا في أسئلةٍ أثقل من أنْ تُحسم. ليس هذا محاولة لقياس ما تحقّق أو ما فشل، ولا هو جردة حساب سياسية لما جرى بعد السقوط. إنها مجرّد وقفة حزينة أمام انكشافاتٍ لم يكن كثيرون منا مستعدّين لرؤيتها، وأمام أسئلةٍ تراكمت ولم تجد لغةً تستقرّ فيها. الزمن السوري هنا لم يمضِ على الجميع بالوتيرة نفسها؛ هناك من عبره سريعاً كأنه تفادى النظر إلى الخلف، وهناك من علق فيه، كأنّ اللحظة الأولى (لحظة الدم) لم تنتهِ بعد، وكأنّ البلاد دخلت في منطقة رمادية لا تصلح للاحتفال ولا للبكاء الكامل.
غالبًا لا يُفهم الزمن إلا حين يُروى، وحين يصبح قابلاً للتأمل. بعد عام، لا نملك بعدُ سرديةً متماسكةً لما عشناه، لذلك يبدو هذا الزمن أقلّ شبهاً بمرحلة انتقالية، وأكثر شبهاً بمرآة لم تكتفِ بكشف ما جرى فقط، بقدر ما كشفت ما حاولنا أن نخفيه في أنفسنا، حين غاب النظام ولم يبقَ ما نرمي عليه ذنوبنا. والأمل الذي وُلد لحظة السقوط كان بحاجة إلى مسافة زمنية كي يُختبر، وهذا العام كان تلك المسافة القاسية. الخيبة هنا ليست شعوراً عابراً، وإنما لحظة إدراك: إدراك أن الانتقال من القهر إلى المعنى ليس تلقائياً، وأن سقوط البنية القديمة لا يعني بالضرورة ولادة وعي جديد.
يكتب فرناندو بيسوا عن خيباته بوصفها معرفةً لا تُحتمل، أكثر من أن تكون هزائم. وخيبة هذا العام تشبه ذلك: إنها ليست انسحاباً من الأمل (فنحن لا نملك حتى ترف الاستسلام) بقدر ما هي خروج عن براءتنا في نظرتنا لأنفسنا. لم يعد السؤال: لماذا لم تتحقّق الآمال؟ وإنما: أيّ آمال كانت تلك، وفي أيّ صورة للإنسان بُنيت؟ لهذا بدت الخيبة ثقيلةً ومربكةً؛ لأنها وضعت السوريين أمام مسؤولية أصعب: إعادة تعريف ما يريدون وما يأملون.
الشرّ لا يحتاج دائماً إلى أيديولوجيا كبرى؛ يكفيه فراغ أخلاقي ومساحة يُعلّق فيها الفرد مسؤوليته باسم الجماعة. وبعد عام، اتضح أن العنف لن يسقط، وسيحتاج إلى زمن أطول كي يُفكَّك من الداخل: من اللغة، ومن النظرة إلى الآخر، ومن تعريف الإنسان لحدود ما يجوز له أن يفعله حين يظن أنه انتصر. في المقابل، تشبّث كثيرون بالطائفة؛ لم يؤمنوا بها، لكنّهم خافوا من الفراغ. حين يغيب الإطار العام الذي يمنح الشعور بالانتماء والأمان، ينكمش الإنسان نحو أقرب دائرة ممكنة، حتى لو كانت دائرةً ضيّقةً، قاسيةً، ومحمّلة بالشكّ والعداء. الطائفة، في هذه الحالة، لا تمنح معنىً بقدر ما تمنح وهم الحماية. الذاكرة الجماعية، حين تتصدّع، تعود إلى أشكالها الأولى، إلى سرديات الخوف والنجاة والبقاء. وهذا ما بدا واضحاً: لم تُستحضَر الطوائف مستقبلاً، وإنما استُحضرت ماضياً خائفاً عاد ليطالب بحقّه في النجاة وحده.
بعد عام على سقوط النظام، لم تتشكّل بعدُ سردية مشتركة تقول للسوريين: هذا ما عشناه، وهذا ما يعنيه ما عشناه. بقيت الوقائع مبعثرة، والتجارب معزولة، وكل جماعة تروي العام بلغتها الخاصة، وكأنّ البلاد تعيش تواريخ متوازية لا تتقاطع. حين تغيب السردية الجامعة، لا يعود الخلاف حول التفاصيل، بقدر ما يصبح حول المعنى نفسه. ما الذي كان هذا العام؟ أكان أفضل ما يكون؟ بدايةً؟ انحرافاً؟ فشلاً؟ الصمت عن الإجابة هنا يسمح لكل تأويل أن يتحوّل حقيقةً مكتفيةً بذاتها، ولكل رواية أن تُقصي غيرها من دون حاجة إلى برهان. وهذا ما بدا جليّاً: لم يجتمع السوريون حول معنى مشترك للخسارة أو للأمل، بقدر ما توزّعوا بين قصص متناحرة، كل منها يطالب بالشرعية الكاملة.
بعد عام، لا يبدو السؤال الحقيقي: هل نجحنا أم فشلنا؟ بقدر ما يكون من المهم معرفة: هل تغيّرنا بما يكفي كي لا نعيد إنتاج ما أسقطناه، بصيغ جديدة وأسماء مختلفة؟

