في لحظات الانكسار الكبرى، لا يُقاس سقوط الأنظمة فقط بسقوطها العسكري أو السياسي، بل بقدرتها – أو عجزها – عن تزوير ذاكرتنا الجماعية بعد سقوطها. إن أخطر ما يواجه سوريا اليوم ليس فقط بقايا الاستبداد والهمجية الأسدية الطائفية، بل محاولة إعادة إنتاجه بأدوات أخلاقية مقلوبة، عبر ما يمكن تسميته صراحةً: صناعة مظلومية جديدة لتبييض تاريخ أسود.
السؤال ليس بريئاً، ويجب أن يُطرح بلا مواربة: هل يُراد للسوريين أن ينسوا ستين عاماً من القتل المنهجي، والتجويع، والتعذيب، والتهجير، لمجرد أن الجلاد قرر اليوم أن يرتدي قناع الضحية؟
الذاكرة السورية ليست ترفاً فكرياً ولا مادة للجدل الأكاديمي. إنها حق للضحايا وواجب على الأحياء. كل دعوة إلى «النسيان» أو «تجاوز الماضي» قبل المحاسبة، ليست سوى دعوة مبطّنة لإعادة تدوير الجريمة. الذين يطالبون السوريين اليوم بالصمت، هم أنفسهم من طالبوهم لعقود بالصمت وهم يُذبحون.
لنكن واضحين: ما جرى في سوريا لم يكن حرباً أهلية متكافئة، ولم يكن صراعاً غامض الأطراف، ولم يكن «أخطاء مرحلة». ما جرى هو نظام طائفي ـ أمني حوّل الدولة إلى أداة قتل جماعي، وحوّل المجتمع إلى رهينة، وحوّل الخوف إلى أسلوب حكم.
اليوم، ومع تغيّر الوقائع، نشهد محاولة وقحة لقلب المعادلة. الجلاد يريد أن يُعامل كضحية، ومن مارس القتل باسم الدولة يريد أن يُحاسَب بمنطق «التعاطف الإنساني»، ومن دمر البلاد يريد أن يبدأ التاريخ من اللحظة التي تضرر فيها هو. هذا ليس تصالحاً، بل هو ابتزاز أخلاقي رخيص.
نعم، وقعت مجازر في الساحل السوري، وسقط أبرياء، وكل قطرة دم بريئة جريمة لا تبرير لها، ويجب محاسبة مرتكبيها بلا استثناء وبلا أي غطاء سياسي أو اجتماعي. لكن استخدام هذه الجرائم ـ مهما كانت فظيعة ـ كذريعة لمحو نصف قرن من الإجرام المنهجي، هو تزوير فجّ للتاريخ.
حين تتحول دماء الأبرياء إلى ورقة تفاوض، وحين يُختزل تاريخ بلد كامل في بضعة أشهر، نكون أمام عملية تبييض سياسي ـ أخلاقي لا علاقة لها بالعدالة
الخلل الأخلاقي يبدأ حين تُقارن أحداث محدودة ـ مهما كانت مؤلمة ـ بمنظومة كاملة قامت على القتل والتنكيل والتدمير الممنهج. نحن لا نتحدث عن مئات الضحايا مقابل مئات الضحايا، بل عن خمسة عشر مليون سوري هُجّروا قسرياً، معظمهم بسبب سياسات قائمة على الإقصاء والانتقام الجماعي، وعن مئات آلاف وربما أكثر من مليون قتيل في قصف ممنهج وسجون ومجازر موثقة، وعن عشرات آلاف المعتقلين الذين خرجوا جثثاً أو لم يخرجوا أبداً، وعن مدن كاملة سُويت بالأرض لا لأنها كانت ساحات قتال بل لأنها خرجت عن الطاعة، وعن سلاح كيميائي استُخدم ضد أطفال ونساء في جريمة لا يسقطها الزمن ولا المساومات.
هل يُعقل بعد كل هذا أن يُطلب من السوريين نسيان تاريخ كامل لأن القاتل تعرّض اليوم لخسارة سياسية أو عسكرية؟
الأخطر من المظلومية هو استثمارها. حين تتحول دماء الأبرياء إلى ورقة تفاوض، وحين يُختزل تاريخ بلد كامل في بضعة أشهر، نكون أمام عملية تبييض سياسي ـ أخلاقي لا علاقة لها بالعدالة. المظلومية الحقيقية لا تحتاج إلى تزوير ولا إلى تضخيم ولا إلى شطب السياق، أما المظلومية المصنّعة فتحتاج دائماً إلى نسيان انتقائي، وذاكرة مبتورة، ومساواة ظالمة بين الضحية والجلاد.
المصالحة الحقيقية لا تُبنى على الغموض بل على الوضوح. ومن دون تحديد المسؤوليات تتحول المصالحة إلى صفقة قذرة، ويتحول «السلم الأهلي» إلى كذبة كبيرة. من الذي حكم سوريا بالحديد والنار؟ من الذي حوّل الأجهزة الأمنية إلى دولة فوق الدولة؟ من الذي فتح السجون لعشرات الآلاف؟ من الذي استخدم الطائفية كأداة حكم؟ من الذي قصف المدن وهجّر الملايين وكسر المجتمع عمداً؟ هذه الأسئلة ليست تحريضاً، بل الأساس الوحيد لأي عدالة حقيقية.
الإعلام الذي يساوي بين الضحية والجلاد ليس محايداً، بل شريك في الجريمة المعنوية. والإعلام الذي يطالب السوريين بطيّ الصفحة دون قراءة محتواها، هو إعلام يخدم تزوير التاريخ. المطلوب ليس إعلاماً ثأرياً، بل إعلاماً لا ينسى، ولا يساوم على الدم، ولا يسمح بإعادة كتابة الرواية على مقاس الأقوى صوتاً.
الذين يخافون من الذاكرة، يخافون من العدالة. والذين يطالبون بالنسيان يعرفون أن التاريخ إذا كُتب بصدق فسيدينهم. لن تُبنى سوريا الجديدة على النسيان، بل على الاعتراف والمحاسبة وعدم السماح بتكرار الجريمة. ومن يظن أن بإمكانه طمس ستين عاماً من الإجرام بسردية مظلومية طارئة، يسيء فهم السوريين قبل أن يسيء فهم التاريخ.
لا، لن تنجح المظلوميّات الجديدة في طمس التاريخ السوري، إلا إذا قرر السوريون أنفسهم التخلي عن ذاكرتهم. والذاكرة هنا ليست كراهية، بل آخر خط دفاع عن الحقيقة. الدم لا يُمحى بالخطابات، والجرائم لا تسقط بالتقادم السياسي، ومن ذبح سوريا لا يحق له أن يبكيها الآن.

